الزبيدة .. أحمد زبيدة

نص : أذكار الكفاح بمدينة الأشباح 3 – 2010

بتاريخ 2010/03/01 بواسطة أحمد زبيدة في نصوص وقصائد

كنتِ بنا .. وبنا ..

تصبحين أكثر ’’ أنتِ ‘‘ ..

وأكثر قرباً من ’’ أنتِ ‘‘ إليك،

في رحمكِ أصبحتُ .. في رحمكِ أصبحتُ ..

وفيك كل صباح..

فيك أصبح .. وأطفئ الأمس .. ذكراه والمصباح..

ذكراه والمصباح..

فصباح الـ ‘‘ أنتِ ’’ مدينتي ..

صباح الـ ‘‘ أنتِ ’’ مدينتي!..

وهكذا كل صباح …

تلك تراتيلٌ.. أذكارٌ صباحيةٌ واجبة التكرار، أذكرها في “دورةِ الأكلِ” تحت حمام من القهوةِ الساخنةِ ( نُسكُ الكافِـيهْ ) كل يوم، مع ثلاث حباتٍ من التمرِ الطاهرِ المطِّهِرِ، أنظرُ بَعْدها إِلَىَّ في المـِرآة المُضَببة خَطْفاً عبر سحابة مِن “بُخَارِي” السَجَائِرِيَّ لأحْكِي لي سراً، ثم أشُقها إلى حيث حذائي… كلهُ يَحدُث في عجالةٍ فوضويةٍ ضوضاويةٍ تَسْعى لِلالتحاقِ بطابورِ فَوضَى المدينةِ الساعيةِ إلى مَساعيها ضِد أو مع عقارب الساعة.

’’ مدينتي عصبيةٌ … ‘‘

ولأنها كـذلك، فأني أنتعِلُ حذائيَ الأسْمَك من بين أحذيتي السميكة كلها، ليس لرهف قدماي وإنما لخشونة أرض.. لا تليق إلا بظلف الأبقار، لخشونة أرض سوداء.. متحجرة، صخورها نارية، تُـنَبِهُني دوماً بأن بركاناً ما.. يَقبعُ قريباً وقد ثارَ كثيراً وسيثور، أعرجٌ كالْكِـيكَة التي تخمَّرت كثيراً فَصُـفِعَت بتيارِ هواءٍ باردٍ في أوج محاولتها للاستواء فَمَالتْ، بركان له فوهةٌ ضخمةٌ أسرفت المُبالغة.. ثَـرثارٌ… يثرثر ويُقـَاطِعُ الحياة والسكينة ويَنْسابُ صَاهراً ومَصْهُوراً في حيث لا يعنيهِ بينما يتـناثر منه الزبد والرغاء الأحمر تناثراً من حدودِ أطرافِ فوهته ومِن بين تَوَسُّعات أسنـانه المسوَّسةِ لـيلطخ بها تشوهات وجهه الممسوس المجعد الأسود، يثرثر كثيرا .. ويغلي من الداخلِ متفرقعاً مزلزلاً الأرضِ زلزلةً إن أطبق فَـمهُ لسنواتٍ لا لشيء سوى أن بعض العوامل الخارجية قد أخرسته مؤقتاً، ليزداد غضباً.. وكبتاً.. وشرَّاً..

نعم .. مدينتي عصبيةٌ، ولو دُستُ إحدى أحجارها النارية لَـتَكَلَّمَتْ وسَبَّـتْني ثم لعنتني ولعنت أجدادي عن بكرة أبيهم. تخطيهن والمشي على رؤوس الأصابع بخفةٍ لن يقودني إلى الهدوء، إذ تَلعَنُ شقيقاتها الأحجار بنات البركان عند اصطدامها ببعضها كذلك، لا مجال للهدوء مطلقاً فحتى تلك الوحيدة التي لم تمسسها قدمٌ ولا حجارةٌ لَعَـنتْ الجميع والاسْتِكْرَاد ثم نفسها.

كل هذا طبيعيٌ، وروتينٌ أُصَادِفُه بإفراطٍ مملٍ متى سِرْتُ في ممرات أعصاب مدينتي العصبيةِ وبين تعصُّبَاتِ مَناطقها بِـتوكلٍّ لقضاء احتياجاتي، كل شيء فيها روتينيّ، حتى أن رفضي وجود روتينها واحتجاجي على عصبيتها قد صار روتيناً مملاً هُو الآخر.

أسير، وأتأملُ إشاراتَها العصبيةِ، المرورية منها والغير مرورية. كُلُها بلا استـثـناءٍ تُـشكِلُ مُحيطاً مركزه أنـا، أو نحن… كُلُها تـتحرك لتشير بإبهامها تِجَاهي، كلها حتى الأسهم الإجبارية عند المنعطفات. مستهزئةٌ.. غاضبةٌ.. ضاحكةٌ.. شامتةٌ.. مستغربةٌ.. حاقدةٌ.. حاسدةٌ.. لستُ أدرِي، فقط أدري أنها تفعل في تناغمٍ تامٍ مَع عيونها، هو ربما إدمان السبابة على مواجهة الرياح، إذ أنها تتوجه منتصبة كصاري على سفينةٍ آدميةٍ تقتاتُ على قوتِ الصواري وما تمتـصه _عند مواجهة الرياح والانتصاب عكس اتِّجاهها_ من طاقـةٍ، ولا تترك لسبابتي خيارٌ إلا الإنحاء يأساً في وضعيةٍ تشبهُ علامة الاستفهام متسائلةً … لما نحوي؟ ولما نحوهم، أو نحو الجميع، هل يمكن أن تكون مجرد إصابات طائشة كلنا ضحاياها ؟..

لا يمكن أن تكون كذلك، ففي مدينتي.. مدينة العصبية والتناقض كُل شيءٍ قد لا يشير إلىَّ دوماً وقد ينفر، فإن سألتها حاجة في سعيي لقضاءها أفقدتني مغناطيسيتي الأولى وجاذبيتي المعهودة للإشارات، وبَدَأت في الإشارة إلى أبعد نقطة في نفسِها، وكلُ نقطة فيها تبدأ بالإشارة إلى الأخرى. أفقِـدُ أهميتي الأولى عندما أحتاجها، وتأخذ النقاط سعياً لذلك شكل الدائرة، دائرة بدايتها حيث أبدأ، ونهايتها نقطة استسلامي على محيطها.

‘‘ إنها لا تتهرب لانشغالها عني، ولا لأنها تكرهني، أو ذاتها أو ذاتهم، فمدينتي تنام، تنام كثيراً ولا تحب الإزعاج، وفيها الفراغ مكتظ يزاحم بعضهُ بعضاً على الأرضِ وفي الهواءِ وتحتِها وفي الأحلام، كل شيء فيها نائم وينام، إلا عيونها، أبداً.. لا تنام… ’’

فمدينتي عيون متحركة وثابتة، وللعيون أجساد تتبعها إن تَحركتْ. تعيش في كل مكانٍ. وترى في كل أوانٍ، لا تنام أبداً، ولها ملايين الأعمدة التي تسكنها وتؤجر منها مساحة ضيقة للسيدة ” إنارة ” التي تعيش معها في تكافلٍ، إحداها تنير المجال للأخرى نوراً والأخرى تـنيرها بالمعلومات والأخبار والشائعات استنارةً، لمدينتي عيونٌ حمراءٌ، وصفراءٌ وخضراءٌ، أجدها أينما كنت وتراني مهما فعلت ومهما لم أفعل، يسمح لها القانون بإيـقافي لمدة 62 ثانية تتفحصني فيها وتفتشني، وقد أُخالَفُ على مخالفةِ أمرِها. لها عين أخرى سَمَاوِية عالية تبصق متى فقدت أعصابها لا تسب إلا رَعداً، عينٌ نادراً ما تفيض أو تترقرق، وإن فاضتْ أغرقت الشوارع وممرات أعصابها، فهي لا تصرِّف دموعها في مجاريها ومجرى قنواتها الدمعية إذ أنها مسدودة بإحكام منذ القدم.

كل شيء في مدينتي بالٍ ومتهالك، قديمٌ، ولكنه إِسْمَنتِيٌّ بإسرافٍ، خَرَسَانِيٌّ سَمِيكٌ مُسَلَّحٌ مَبنيٌّ على أراضٍ زراعيةٍ مُعبـَّدةٍ، غير قابلة للهدمِ، قواعدُها مبنيةٌ خارج المخططات البشرية الإنسانية للحياة الكريمة، غيرَ قابلةٍ للزحزحةِ ولا لِلتـمطُّطِ، فقط تطلي نفسها من حينٍ إلى حينٍ ببعضِ الألوانِ الزاهية لتدَّعِي أنها بخير، ولِـتُخفي ضعف آلاتها أمام الهدم وعجزها عن التطوير.

مدينتي .. تَـقْـتُـل الشيوخ والنِساء والأطفال، وتدفع الشباب إلى الانتحارِ وتخصي الصامدين تلذذاً، وعقاباً وإذلالا، وإن تابت.. أهدتهم العقم لتتوقف عن القتل، هكذا هي.. تعيسة مُعقدة بِـعُـقَد دفينة، لا تَسْعَد وإنْ فَعَلَتْ، فإنها تقهقه وتزفر بشدةٍ كُل مُحْتوى صَدْرِها الصَحْراويِّ. يُـبَـللني رذاذهُ المُصَاحِبَ لِرِياحِ زَفـيرِها الترابي المُعَجِّج ويلـتصق بي، هي بالتأكيدِ ضِحْكَة صَفراءٌ كلونِ صحراؤها لا أكثر، بابها باب الشماتة، فَـقَلما ضَحِكْتُ مَعها متى ضَحِكَتْ ولا حتى لها، بل إنها تزعجني بها كثيراً، وتُوَسخُ مَزاج يَوْمِي الباحِث عَنْ حفـنة اِخْضِرار مزيف أو أي هواء نقي تـشمهُ، تُـزعجني وتزعج نحل مدينتنا كذلك..

وسُرعان ما أنسى فكرة الاِخْضِرار أو أتـناساها لندرته مستبدلاً إيـاه بِاللونِ الأزرق، فأذهبُ إلى البحر كما يَفعل كل أهل المدينة… البحر بالنسبةِ لي ولنا جمعيةٌ أهليةٌ مدعومةُ التسعيرةِ حد الشفقة، وهي الوكيل الوحيد الرسمي للدموعِ، كل تـلك المساحات المائيةِ المَالِحَة دموعٌ خامٌ لم تُـقَّطَعْ بعد إلى قطراتٍ، فقط تنتظرنا بأبخس الأثمان منذ أن أتت من الصين بل منذ أن وُلدت وطُبع عليها ” صنع في الصين – تقليد درجة ثـالثـة” ، فـــمن يشتري ؟ هل أبيعك بعضها أيتها النحلة ؟

نحلُ مدينـتـنا مختلفٌ تماماً بالمناسبةِ، يختـلف عن النحلِ ولكنه يشبهنا، فلا خلايا تجمعهم ولا مسقط رأس. ذاتَ يوم.. التقيت بـنحلةٍ كـالعادة بالقرب من حاويةِ القمامةِ الفائـضةِ، وقد كَانت تعمل عليها بكدٍ وحولها تطير، ربما لامتصاص قطرات السوائل السكرية من بقايا معلباتـنا وعصائرنا بنكهاتها الصناعية المستوردة لا أعلم، فقط أعلم بأنها من مدينتـنا طالما أنها هناك على الحاويةِ. ولأنها نَحلةُ مدينتـنا ولأننا نعرف كلانا الآخر جيداً، مضيت في طريقي بلا اندهاشٍ مِنْ أمَامِها وأكْمَلَتْ هِي العمل بلا خجلٍ. كلانا طبعاً يجهل موقف الأزهار من هذا…

هذه هي مدينتي كل يوم، وكل ذلك يحاصره عند الحدود أسوار تلتقي بالأعلى عند السماء، تجتمع عند القمة، تتصافح، وتمنح بعضها تيارات من الكهرباء الهائج، فالسور مكهربٌ، وليس سوى أسلاكٌ مذهبةٌ مليئةٌ ببذورِ العقدِ المتقاربةِ التي ترتوي بالكهرباءِ حَدَّ التخمة، تنمُو حتى موسم التكاثر فتزهر، وزهرتها شوكة شائكة ليست تدب المدينة بل تمنعها من الدبِّ، لا تمنح نفسها إلا لنحلها… أما السور فتتـذبذب على طولهِ طبقاتُ الرياحِ والأسلاكِ في مسافاتٍ لا تسمح إلا للحشرات والزواحف بالخروج.. الهروب.. أو الهجرة.

لذا فأنا لم أغـادر مدينتي يوماً، أسافر فيها وبـداخلها، وأعرف أنَّ كـل الطرق فيها تؤدي إلى الساحة الخضراء تمام المعرفة، تتشابك تتفرع.. تلتقي تفترق.. تتوازى وتتقاطع.. بمعادلةٍ ثابتةٍ متكررة تأخذني دوماً إلى الساحة في نهايةِ المطافِ، لا مكانٌ فيها أقصدهُ… وإن قَصدتُ مَـكاناً قَصدتُ المديـنةِ وإن قَصَدتُ المدينةِ قصدتُ ذاتَ المَكانِ… كأني بهذا على سَطح البحر، حيث كل نقطة فيه تُـشَابه الأخرى وتماثلها، أتحرك فيه وأسْبح ولا يشعرني بحركتي إلا الشاطئ ومسافتي عن تلك المنارة اقـتراباً وابـتعاداً. دونهما أفقد الحواس والإحساس بالزمان والمكان حتى أغرق بالنهاية في العدم المتشابهِ دون أن أعلم أينَ فَـعلت، أفـقِدُ حتى الإدراك لاختيارِ نقطةٍ يُريحني الغرق فيها وسط ذاك التماثل الممتـد إلى الأفق الدائريِّ الذي يُحاصِرُني ويـَسْـلبني الاختِـيار، مدينتي من الأعلى مفرش على الطاولةِ الأرضيةِ العالميةِ مزخرفٌ بشكلٍ هندسيٍ لا نهـائي التـكرار… أنظرُ أحياناً إلى ذاك العلم المرفرفِ الأخضر عندما يصادفني فأقول… هكذا هي مدينتي، فارغةٌ.. سادةٌ.. مملةٌ.. زواياها حادةٌ.. باردةٌ.. وسطحيةٌ …

أعود لبيتي، وأدخل المطبخ.. تضرعاً أتناول بعض الأمل، ثم إلى دورة المياه لتقيء بعض الخيبات ليس جميعها.. ولرش الكولونيا، بخلاصة عطر الأقدام المكافحة !.. أتمدد، لأكون سريراً لسريري، فقد أنهكه الانتظار والبقاء بالبيت طول اليوم، وأرتل بعض أذكار المساء الواجبة التكرار..

 

كنتِ اليوم أنتِ.. وبنا كنتِ.. وستكونين..

غداً.. سأكون ’’ أنتِ ‘‘.. ستكونين أنا..

سأكون كلهم.. لتكونين كما أريد..

أكرهك.. وسأفعل ما دمت أحبك..

ما دمتِ تحملين ضمير ملكيتي.

مدينتـ “ـي”.. أيتها الطاهرة الجميلة..

سأخلع عنك خمارك الأسود.. وأعريك مـنا تعرية..

وأترك نفسك حلية، وأنفض من عليك الغبار..

سأمشي عليك حافياً.. بيد من أحب..

مداعباً مناطقك الحساسة.. وذلك الطفل فيك..

أو كوني كما ’’ أنتِ ‘‘.. ســأحبك بكل ما فيك !..

أسرق منك جرامات السعادة .. ولا تعلمين.


أضف تعليق

أحمد زبيدة - مصور فوتوغرافي ليبي أحمد زبيدة - مصور فوتوغرافي ليبي ( تصوير فني - تصوير تجاري - تصوير دعائي فني - تصوير منتجات ) - يمكنك معرفة المزيد والإتصال بي من خلال القائمة أعلى الصفحة
Ahmed ZBEDA - Libyan Photographer - work as a Commercial photographer ( Real estate photography - product & Food photography - publicitary photography ) please know more or contact me by using the menu on top of the page

إقرأ أيضاً :