الزبيدة .. أحمد زبيدة

نص : نقطة .. من أول السطر 1 – 2009

بتاريخ 2009/01/01 بواسطة أحمد زبيدة في نصوص وقصائد

كان الدرس الخصوصي الثامن في مادة الرسم …

حصة اليوم .. “المسح” … التاريخ … ” الساعات الأخيرة ” ..

من أول السطر ..

كانت تعلم بأنني لا أؤمن بالدروس الخصوصية، خصوصاً في مادة الرسم وأن ما كان يجذبني خصوصية الدرس قبل الدرس، وأنني كنت أشتري لقائي معها بالساعات وأدفع. وأنني بعت من معداتي لأشتري أكثر !.. يعتقد “عباس” .. بأن تركيزي على الأستاذة مبالغ فيه، وأنني لا أتأمل سوى ضربات فرشاتها. لأنه يعلم .. أنني لم أشاهد لها من بعيد لوحة كاملة جافة بعد .. يرى أنني قريب أكثر من اللازم .. قال لأمي ذات يوم .. ألا تملين من غسل ملابسه الملطخة بالألوان كل يوم وكأن عملك هو تنظيف منديل الأستاذة ملاك ؟..

نقطة .. ومن أول السطر .. أحمد ؟ .. أحمد ؟ .. أحمق ؟..

آمنت دوماً بأن “النقطة” لا تنهي النهايات ولكنها مفترق طرق كثيف التفرعات يتضمن بداية أخرى أو النهاية كأحدى الحلول .. حل البقاء على جدع المفترق لأطول فترة ممكنة .. ولم لا أختاره حلاً .. فأفضل ما تجيد رسمه الأستاذة ملاك جدع الشجرة .. بكل تفاصيله .. حتى أنني ذات يوم تمكنت من معرفة عمره بلمسه .. وعرفت شجرته من رائحته !..

نقطة .. نقطة نظام .. نقطة اللاعودة .. نقطة حبر .. نقطة حرف .. نقطة نوتة موسيقية .. نقطة تقاطع .. نقطة تماس .. كل شيء وفي زمن ما يبدأ بالنقطة وبها ينتهي أو عندها يتبدل .. ولكنه في تلك النقطة تحديداً أو في أي نقطة نحددها نستوقف الزمن .. نجرد الأشياء منه في حيث نريد النقطة، هي لحظة استجمام لتحديد المسارات وكتابة المعادلات بعواملها الثابتة والمتغيرة .. كل نقطة لها معادلة .. وكل الأشياء التي يهندسها الزمن تحتاج إلى عدد لا نهائي من النقاط .. كل نقطة في خط الزمن محاطة بعدد لا نهائي من النقاط .. وكل نقطة منها رسمت بعدد لا نهائي من النقاط التي تكونت بداخلها بالمثل ..

” نقطة .. ومن أول سطر ” .. نهاية أولى وبداية ثانية .. نهاية الفقرة ورحلتي في الخيال .. نقطة أخرى لا نهائية العمق في لحظة لا زمنية .. نقطة تفتح الأبواب وتكشف عن نقاطها ..

- أيوه يا أبلة ..؟

- إقرأ ما أمليته عليك يا أحمد عن المسح في الرسم ..

- عفواً .. أي “نقطة” تقصدين ..؟

- لماذا تبتسم ببلاهة ؟.. الفقرة الأولى وهل أمليت غيرها ..؟

- المعذرة ولكن أجل.. هنالك نقاط أعدمت ” بالمسح “.. وأخرى أسقطت سهواً.. أليس الدرس عنه؟

- ” بلاش فلسفة ” .. هذه حصة رسم .. أريني ماذا كتبت ..؟

- كتبت كل شيء عن المسح .. ولما فهمته .. طبقته على ما كتبت !..

- أرني أدواتك .. أين ممحاتك ..؟

- يا استاذة .. أنا أرسم على الرسم .. هذه ممحاتي وهكذا أمسح .. لا يحق لأي كان أن يمسح اللوحات وضربات الفرش فقط بحجة أنه يريد العودة إلى الصفر .. فقط لأنه يريد أن يعيد للوحة بياض ميلادها .. فقط لأنه لم يجد صفحة بيضاء يبدأ منها .. – يا ابني أنت لا تركز .. لا يمكن لأحد أن يمسح .. هذه كانت أول جملة في الدرس .. لا يمكن أن ترسم فوق اللوحة أبداً .. المسح يكون برسم صفحة بيضاء نبتدئ منها وليس بإعادة بياضها .. مع الاحتفاظ بكل الطبقات الأولى ..

كنت أحب معاكستها دوماً .. لمجرد بدء الحوار معها .. حتى ولو لم أعي ما أقول .. كنت أنظر إليها نظرة الرياضي الذي أحب الرياضيات طوال عمره في حصة رسم .. فتشابكت الأمور ..

الأستاذة ملاك تعلم بأنني أريدها وأنني أعلم بأنها تريدني .. ولكنها تستمع بجعلي أدفع ثمن ساعات الحصص غاليا ..

الأستاذة ملاك .. عالمة رياضيات دون رياضيات .. كانت تستطيع أن تجعل الرقم “اثنين” أكبر حجماً من الرقم “ثلاثة” فقط بأن تجعله يبدوا كذلك بفرشاتها .. تعكس فرق “الواحد” لصالح “الأثنين” ثم تضربه في عشرة .. بحركة يد واحدة ترسم فيها “2″ بحجم اللوحة .. إذاً .. ما قيمة الفرق المادي بين الرقمين إذا كنت أستطيع أن أجعل أحدهم يبدوا أكبر من الآخر . ما الفرق الحقيقي بين الرقمين إذا كنت أستطيع تقسيم كليهم إلى عدد لا نهائي من الأجزاء المتناهية الصغر بحجم النقط .. بحيث لا ألتقي بالنهاية أبدا ..؟

الأستاذة ملاك .. لا تحتاج إلى المسح .. ولا المسح الشامل .. إذ تمر بخفة في المكان المناسب .. في النقطة المناسبة بحيث تحدث تأثير الدمار الشامل .. استغرق مني عمر لأتمكن من كتابة معادلة موزونة الأطراف بمجاهيلها وعواملها الثابتة والمتغيرة .. معادلة بطرفين يجب أن يساوي فيها أحدهم الآخر مهما تغيرت المجاهيل .. وعندما جاءت الأستاذة ملاك .. داعبت المعادلة قليلاً وهي تبتسم بشقاوة لتمسح علامة الـ “=” فيها .. لترسم فوقها زهرة ..

قالت .. “سين” لا يجب أن تساوي “صاد” بعد الآن .. ويجب على عواملك الثابتة أن تنهار في الفراغ .. معادلتك تعادلك وحدك .. أنت الطرف المجهول الوحيد فيها ..

“سين” تمسك بيد “صاد” في طرف واحد وكمجهول واحد اسمه “سص” ينظر إليك .. ينتظرك ويسألك عن نقطة الانطلاق والانتهاء ذاتها .. عن لون ضربة فرشاتك الأولى .. عن موضعها .. ومدت إلىَّ أدوات رسمها .. هي تعلم بأنني بعت أدواتي ..

تقول .. ” هي لي .. وهي لك .. ما كانت لتكون لي .. لولا أنك ما اشتريت وجودي بالساعات ” ..

امسكت الفرشاة .. وقررت مسح اللوحة بإعادة رسمها مرة أخرى .. نفس الخطوط نفس الألوان ‏… لتبقى ذاتها ولكن بفرشاتي


أضف تعليق

أحمد زبيدة - مصور فوتوغرافي ليبي أحمد زبيدة - مصور فوتوغرافي ليبي ( تصوير فني - تصوير تجاري - تصوير دعائي فني - تصوير منتجات ) - يمكنك معرفة المزيد والإتصال بي من خلال القائمة أعلى الصفحة
Ahmed ZBEDA - Libyan Photographer - work as a Commercial photographer ( Real estate photography - product & Food photography - publicitary photography ) please know more or contact me by using the menu on top of the page

إقرأ أيضاً :